نزار قباني


18, March 2010
9:51:48 AM

"لا تمش في طريق من طرق الحياة إلا ومعك سوط عزيمتك وإرادتك لتلهبَ به كل عقبة تعترض طريقك".

فريدرك نيتشه

Search

أدخل كلمة للبحث :

البحث ضمن :

منتدى أمير الشعراء أحمد شوقي !
ستجد الكثير من القصائد للشاعر أحمد شوقي

Mail List

أضف بريدك إلى قائمتنا البريدية :

البحث في



أمير الشعراء أحمد شوقي يؤرخ نفسه :
مقدمة و إعطاء فكرة عن الشعر بمعناه الحقيقي
وصف وضع الشعر الحالي أو المعاصر
صفات الشاعر الجيد في منظور أمير الشعراء
أمير الشعراء يجاوب عن سؤال حرج وهو في مراحل حياته الأولى
المرحلة الثانية من تاريخ أمير الشعراء وقصة روايته ( علي بك )
حب أمير الشعراء للأطفال وإظهار أهمية صديقه العزيز خليل مطران
مطلب لأمير الشعراء عند الأدباء والشعراء
رأي أمير الشعراء في فكر أن الناثر لا ينظم وأن الشاعر لا ينثر
نصائح أمير الشعراء للمشتغلين بالشعر
تواضع أمير الشعراء أحمد شوقي
مراحل حياة أمير الشعراء وأصوله
المرحلة الدراسية الأولى لأمير الشعراء أحمد شوقي
المرحلة الدراسية الثانية لأمير الشعراء وقصة توظيفه عند الخديوي توفيق باشا
انتظار الوظيفة
رغبة الخديوي في سفر أمير الشعراء إلى أوربا لتعلم الحقوق والآداب الفرنساوية
مراحل سفر أمير الشعراء و حياته في فرنسا ( مونبيلييه وباريز ) ودراسته هناك
مرض أمير الشعراء وذهابه إلى انكلترا والجزائر ومن ثم عودته إلى الوطن
سفر أمير الشعراء إلى جنيف (سويسرا ) كمندوب عن الحكومة في مؤتمر المستشرقين ثم سفره إلى بلجيكا
صحبة أمير الشعراء أحمد شوقي مع الأمير شكيب أرسلان
وفاة والد أمير الشعراء وأثرها عليه
اعتراف من أمير الشعراء أحمد شوقي


أمير الشعراء أحمد شوقي يؤرخ نفسه

في البداية تتمنى إدارة الموقع لكل الأعضاء والزوار بالاستفادة والاستمتاع حيث أن كل هذه المقالات مكتوبة بقلم أمير الشعراء .
عندما صدرت الطبعة الأولى من "الشوقيات" وضع أحمد شوقي مقدمة مطولة لديوانه بحث فيها مختلف جوانب شاعريته ... وسائر شؤون نفسه في مطلع حياته الأدبية ؛ ولما كان الملاحظ أن طبعات " الشوقيات " الصادرة بعد عام 1911 أصبحت تخلو تماماً من أية إشارة إلى تلك المقدمة - الوثيقة ؛ فقد رأينا إدراجها في الصفحات التالية ؛ متوخين من ذلك أمرين : أولهما إطلاع القارئ على شوقي ؛ وهو يرى نفسه في مرآة نفسه ؛ وثانيهما تعريف القارئ بأسلوب شوقي في الكتابة النثرية التي أشرنا ؛ أكثر من مرة ؛ في هذا الكتاب ؛ إلى أنها دون منزلة قصائد أمير الشعراء ؛ من حيث القيمة الفنية .

مقدمة و إعطاء فكرة عن الشعر بمعناه الحقيقي

كتب أمير الشعراء :
الحمد لله الذي علم البيان . وجعله أثراً من روحه عند الإنسان . والصلاة والسلام على نبي الأمة . القائل إن من الشعر لحكمة .
أما بعد . فما زال لواء الشعر معقوداً لأمراء العرب وأشرافهم . وما برح نظمه حبيباً إلى علمائهم وحكمائهم . يمارسونه حق المراس . ويبنون كل بيت منه على أمتن أساس . موفين إجلاله حافظين خلاله . مدنين إلى الأذهان خياله .
قاله امرؤ القيس واصفاً وحاكياً وضاحكاً وباكياً وناسباً وغازلا . وجاداً وهازلا . وجمع شمله بحيث تعد المنظومة الواحدة له أثراً في البيان مستقلاً وبنياناً قائماً برأسه .
ونظمه أبو فراس فخراً عالياً . ونسيباً غالياً . وحكماً باهرة ؛ وأمثالاً سائرة . لكنه لم يقله فوضى ولا قرب في نظمه الخلط فإن قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها :
أراك عصي الدمع شيمتك الصبر أما للهوى نهي عليك ولا أمر
ليست إلا عقداً توحد سلكه وتشابهت جواهره ودق نظامه . تعاونت فيه ملكة العربي وسليقة الشاعر على حسن الحكاية . فإذا فرغت من قراءتها فكأنك قد قرأت أحسن رواية .
وهذا كونها أشبه شيء بالشعر في شعور الأنفس هما سر بقائها متلوة إلى الأبد.
وكان أبو العلاء يصوغ الحقائق في شعره ويوعى تجارب الحياة في منظومه ويشرح حالات النفس ويكاد ينال سريرتها ومن تأمل قوله من قصيدته :
فلا هطلت عليَّ ولا بأرضي سحائب ليس تنتظم البلادا
وقابل بين هذا البيت ؛ وبين قول أبي فراس :
معللتي بالوصل والموت دونه إذا مت ظمآناً فلا نزل القطرُ
ثم انظر إلى الأول كيف شرع سنة الإيثار وبالغ في إظهار رقة النفس للنفس وانعطاف الجنس نحو الجنس وإلى الثاني كيف وضع مبدأ الإثرة وغالى بالنفس ورأى لها الاختصاص بالمنفعة في هذه الدنيا ؛ تعيش فيها جافية ثم تخرج منها غير آسية ؛ علم أن شعراء العرب حكماء لم تغرب عنهم الحقائق الكبر ولم يفتهم تقرير المبادئ الاجتماعية العالية وانهم أقدر الأمم على تقريبها من الأذهان و إظهارها في أجلى وأجمل صور البيان .
وكان أبو العتاهية ينشيء عبرة وموعظة . وحكمة بالغة موقظة وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرجع اليه كذلك في الوعظ والإرشاد والتحذير من الرذائل ؛ والإغراء بالفضائل .
وكان الشافعي رحمه الله وهو القائل :
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
تجري ألفاظه بالشعر وله مقاطيع مختارة . وحكم في الناس سيارة . وحسبك أن الطب جميعه لو جمع لما خرج عن البيتين المنسوبين اليه وهما :
ثلاث هنّ مهلكةُ الأنامِ وداعيةُ الصحيح إلى السقام
دوام مدامه ؛ ودوام وطءٍ وادخال الطعام على الطعام
ولو انفسح لهؤلاء وأمثالهم المجال من الزمان والمكان وشهدوا عصر البخار كما نشاهده . وكابدوا الدهر في الهرم مثلما نكابده . لامتلأت الصدور من محفوظ أشعارهم ولضاقت المطابع على تنافسها عن نشر آثارهم .
قدمنا هذا ليعلم به فريق يحتقرون الشعر وآخرون منا معشر الشبان يضمرون للعربي منه عداوة من جهل الشيء ويرون بينه وبين الشعر الافرنجي بعد ما بين المشرق والمغرب ناسين أن العرب أمة قد خلت ودولة تولت فلا ينبغي أن يؤخذوا إلا بما تركوا وأن المسؤول عن خروجه بعدهم إنما هو الخلف المفرط والوارث المتلاف .

وصف وضع الشعر الحالي أو المعاصر

اشتغل بالشعر فريقٌ من فحول الشعراء جنوا عليه وظلموا قرائحهم النادرة وحرموا الأقوام من بعدهم . فمنهم من خرج من قضاء الفكر والخيال ودخل في مضيق اللفظ والصناعة .
وبعضهم آثر ظلمات الكلفة والتعقيد على نور الإبانة والسهولة . ووقف آخرون بالقريض عند القول المأثور "القديم على قدمه " فوصفوا النوق على غير ما عهدها العرب وأتوا المنازل من غير أبوابها ودخلوا البيداء على سراب . وانغمس فريق في بحار التشابيه حتى تشابهت عليهم اللجج ثم خرجوا منها بالبلل . وزعمت عصبة أن أحسن الشعر ما كان في واد والحقيقة في واد ؛ فكلما كان بعيداً عن الواقع ، منحرفاً عن المحسوس ، مجانباً للمحتمل . كان أدنى في اعتقادهم إلى الخيال .
وأجمع للجلال والجمال . حتى نشأ عن ذلك الإغراق الثقيل على النفوس والغلو البغيض إلى العقول السليمة .
على أن الكل قد مارسوا الشعر فناً على حدة . واتخذوه حرفة وتعاطوه تجارة إذا شاء الملوك ربحت وإذا شاءوا خسرت . ثم لم يكفهم ذلك حتى هجوا الشعر وذموه بكل لسان فزعموه مجلبة الشقاء وقالوا انه محسوب على الشعراء يفيض من أرزاقهم وينحت من قلوبهم ويعرضهم لإراقة ماء الوجوه ولقد والله زعموا صدقاً وقالوا حقاً وإن هذا لجزاء قوم يتوقعون أرزاقهم من ملوك كرام يخلقهم الله لرواج حرفتهم فإذا لم يخلقوا كسدت الحرفة وأخطأت الأرزاق على أنه يستثني من هؤلاء قليل لا يذكر في جنب الفائدة الضائعة بضياع الشعر مديحاً في الملوك والأمراء . وبناء على الرؤساء والكبراء .
وإلا فمن دواوينهم ما يخلق أن يكون المثال المحتذى في شعر الأمم . كابن الأحنف مرسل الشعر كتباً في الهوى ورسائل ، ومتخذه رسلاً في الغرام ووسائل . وكابن خفاجة شاعر الطبيعة ومجنون ليلاها . وواصف بدائعها وحلاها . وكالبهاء زهير سيد من ضحك في القول وبكى . وأفصح من عتب على الأحبة واشتكى . وحسبك لو اجتمع ألف شاعر يعززهم ألف ناثر على أن يحلوا شعر البهاء أو يأتوا بنثر في سهولته لانصرفوا عنه وهو كما هو .
ولا أرى بداً من استثناء المتنبي مع علمي أنه المداح الهجاء . لأن معجزه لا يزال يرفع الشعر ويعليه . ويغري الناس به فيجدده ويحييه . وحسبك أن المشتغلين في القريض عموماً والمطبوعين منهم خصوصاً لا يتطلعون إلا إلى غباره ولا يجدون الهدى إلا على مناره . ويتمنى أحدهم لو أتيح له ممدوح كممدوحه ليمدحه مثل مديحه أو لو وقع له كافور مثل كافوره ليهجوه مثل هجائه . فمثل أبي الطيب في تشبه الشعراء به وسعيهم لبلوغ شأوه في المدح أو الهجو كمثل قائد مشهور الأيام . معروف بالحزم والإقدام . قد أشربته قلوب الجند وملئت نفوسهم ثقة منه ، فلو قذف بهم في مهاوي الهلاك وهم يعلمون لما جنبوا ولا أحجموا . هذا مع اعترافي بأن المتنبي صاحب اللواء .
والسماء التي ما طاولتها في البيان سماء . ولو سلم من الغرور وسلم الناس من لسانه لأجللته إجلال الأنبياء .

صفات الشاعر الجيد في منظور أمير الشعراء

والحاصل أن إنزال الشعر منزلة حرفة تقوم بالمدح ولا تقوم بغيره تجزئة يجل عنها ويتبرأ الشعراء منها . إلا أن هناك ملكاً كبيراً ما خلقوا إلا ليتغنوا بمدحه ويتفننوا بوصفه ذاهبين فيه كل مذهب آخذين منه بكل نصيب وهذا الملك هو الكون ، فالشاعر من وقف بين الثريا والثرى ، يقلب إحدى عينيه في الذر ويحيل أخرى في الذرى . يأسر الطير ويطلقه . ويكلم الجماد وينطقه . ويقف على النبات وقفة الطل . ويمر بالعراء مرور الوبل . فهنالك ينفسح له مجال التخيل ويتسع له مكان القول ويستفيد من جهة علماً لا تحويه الكتب ولا توعيه صدور العلماء ومن جهة أخرى يجد من الشعر مسلياً في الهم . ومنجياً من الغم . وشاغلاً إذا أمل الفراغ ومؤنساً إذا تملكت الوحشة . ومن جهة ثالثة لا يلبث أن يفتح الله عليه فإذا الخاطر أسرع والقول سهل والقلم أجرى والمادة أغزر بحيث لا تمضي السنون حتى تتداول الأيدي مؤلفاته . وإذا مات أكبر الناس من بعده مخلفاته . أو لم يكن من الغبن على الشعر والأمة العربية أن يحيا المتنبي مثلاً حياته العالية التي بلغ فيها إلى أقصى الشباب ثم يموت عن نحو مائَي صحيفة من الشعر تسعة أعشارها لممدوحه والعشر الباقي وهو الحكمة والوصف للناس .

أمير الشعراء يجاوب عن سؤال حرج وهو في مراحل حياته الأولى

هنا يسأل سائل وما بالك تنهى عن خلق وتأتي مثله ؟ ( أي عن الاكثار من المدح في الشعر ) فأجيب :
إني قرعت أبواب الشعر وانا لا أعلم من حقيقته ما أعلمه اليوم ولا أجد أمامي غير دواوين للموتى لا مظهر للشعر فيها . وقصائد للأحياء يحذون فيها حذو القدماء . والقوم في مصر لا يعرفون من الشعر إلا ما كان مدحاً في مقام عال ولا يرون غير شاعر الخديوي صاحب المقام الأسمى في البلاد . فما زلت أتمنى هذه المنزلة وأسمو اليها على درج الإخلاص في حب صناعتي و إتقانها بقدر الإمكان وصونها عن الابتذال حتى وفقت بفضل الله اليها ثم طلبت العلم في أوربا فوجدت فيها نور السبيل من أول يوم وعلمت أني مسؤول عن تلك الهبة التي يؤتيها الله ولا يؤتيها سواه وإني لا أؤدي شكرها حتى أشاطر الناس خيراتها التي لا تحد ولا تنفد وإذ كنت أعتقد أن الأوهام إذا تمكنت من أمة كانت لباغي إبادتها كالأفعوان . لا يطاق لقاؤه ويؤخذ من خلف بأطراف البنان جعلت أبعث بقصائد المديح من أوربا مملوءة من جديد المعاني وحديث الأساليب بقدر الإمكان إلى أن رفعت إلى الخديوي السابق قصيدتي التي أقول في مطلعها :
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرهن الثناء
والتي غزلها في أول هذا الديوان . وكانت المدائح الخديوية تنشر يومئذ في الجريدة الرسمية وكان يحررها يومئذ أستاذي الشيخ عبد الكريم سلمان فدفعت القصيدة اليه وطلب منه أن يسقط الغزل ثم كانت النتيجة أن القصيدة برمتها لم تنشر فلما بلغني الخبر لم يزدني علماً بأن احتراسي من المفاجأة بالشعر الجديد دفعة واحدة إنما كان في محله وان الزلل معي إذا أنا استعجلت .

المرحلة الثانية من تاريخ أمير الشعراء وقصة روايته ( علي بك )

ثم نظمت روايتي " علي بك أو فيما هي دولة المماليك " معتمداً في وضع حوادثها على أقوال الثقاة من المؤرخين الذين رأوا ثم كتبوا وبعثت بها قبل التمثيل بالطبع إلى المرحوم رشدي باشا ليعرضها على الخديوي السابق فوردني منه كتاب باللغة الفرنساوية يقول في خلاله :
(( أما روايتك فقد تفكه الجناب العالي بقراءتها وناقشني في موضع منها وناقشته وهو يدعو لك بالمزيد من النجاح ويجب ألا تشغلك دروس الحقوق التي يمكنك تحصيلها وأنت في بيتك في مصر عن التمتع من معالم المدينة القائمة أمامك وأن تأتينا من مدينة النور " باريز " بقبس تستضيء به الآداب العربية )) فصادفت هذه النصيحة العالية من أمير ذكي حكيم هوى في فؤاد مطوى على طاعته نازل على حكم الشعر والأدب فترجمت القصيدة المسماة " بالبحيرة " من نظم (لمرتين) وهي من آيات الفصاحة الفرنساوية . ثم أرسلتها إلى الباشا المشار اليه في كراس وبعض كراس ليطلع جناب الخديوي عليها وإذ كنت لا أتخذ لشعري مسودات رجوت أني أجدها بعد العودة إلى مصر ثم عدّت دون ذلك عواد .

حب أمير الشعراء للأطفال وإظهار أهمية صديقه العزيز خليل مطران

وجربت خاطري في نظم الحكايات على أسلوب (لا فونتين ) الشهير وفي هذه المجموعة شيء من ذلك فكنت إذا فرغت من وضع اسطورتين أو ثلاث اجتمع بأحداث المصريين وأقرأ عليهم شيئاً منها فيفهمونه لأول وهلة ويأنسون اليه ويضحكون من أكثره وأنا أستبشر لذلك وأتمنى لو وفقني الله لأجعل لأطفال المصريين مثلما جعل الشعراء للأطفال في البلاد المتمدنة منظومات قريبة المتناول يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم .

مطلب لأمير الشعراء عند الأدباء والشعراء

والخلاصة أني كنت ولا أزال ألوي في الشعر عن كل مطلب . وأذهب من فضائه الواسع كل مذهب . وهنا لايسعني إلا الثناء على صديقي خليل مطران صاحب المنن على الأدب . والمؤلف بين أسلوب الافرنج في نظم الشعر وبين نهج العرب والمأمول أننا نتعاون على إيجاد شعر للأطفال والنساء وأن يساعدنا سائر الأدباء والشعراء على إدراك هذه الأمنية . على أني لا أستصعب في مصر اليوم صعباً بعدما علمت أن كثيراً من المخدرات في العاصمة أصبحن يرقبن ساعة ظهور الجرائد بصبر نافذ وأن إحداهن طردت خادماً لها أرسلته يشتري نسخة من جريدة فأبطأ مع علمه بأن مولاته لا تستطيع صبراً عن أخبار الحرب الترنسفالية . إذاً فالواجب على الكتاب و رجال الصحافة في أولهم أن يهيئوا أسباب النجاح لهذا الميل الحادث وعلى الأدباء و الشعراء أن يعرضوا فاكهتهم على النساء مثل الرجال حتى تصبح جنات قرائحم فيها من كل فاكهة زوجان .

رأي أمير الشعراء في فكر أن الناثر لا ينظم وأن الشاعر لا ينثر

بقي استدراك لابد من ايراده وذلك أن بعضهم يستنتج من كون الناثر لا ينظم أن الشاعر لا ينثر كذلك ولا ينبغي له ، وهذا وهم يداني اليقين عندهم وقد جاوز الشعراء في الانخداع به حداً أضر بهم مع أنه يكفي للخروج منه أن نعلم أن أكثر ما أعجز به أدباء الافرنج اليوم في القصص والانشاء وما يمثل على أكبر ملاعبهم وتتداوله ألسنتهم من مرسل الكلم ومنثور الحكم وما كتب في هذا القرن والذي قبله في الفلسفة العليا والسياسة الكبرى إنما هو من قلم مشاهير الشعراء حتى لتسمع عن أحدهم أنه مات عن عشرات من المؤلفات ثم ترى المنظوم منها أقلها بل إن بعضهم يقدم "الأشقياء " وهو كتاب لفكتور هوجو على سائر مؤلفاته وفيها الشعر كما يرون " اعتراف ابن العصر" لألفريد دي موسيه أجل أثر له بين كثير من الآثار وفيها الروايات المنظومة و الأشعار وكلا الشاعرين مطبوع لم يختلف في سليقته اثنان . على أني كنت أول من انقاد بأزمة هذا الوهم وطالما أوذيت به فكنت إذا عرضت لي كتابة أشفق منها وأجفل عنها فصرت مثلي كمثل الشاعر الفرنسوي الذي يحكى عنه أنه لما رأى أهل باريز يبالغون في الحفاوة به ويكثرون من دعوته إلى موائدهم ومجالسهم ليسمعوا حديثه على ظن أنه يقول ما لا يقوله الناس بلغ به الاحتراس منهم إلى أن كان إذا دعي إلى وليمة حضر والقوم على المائدة فأكل صامتاً ثم انصرف والقوم لم يفرغوا من الطعام فقيل له في ذلك . فقال له : أنا على المائدة كأحدكم فإذا جلست إزاء مكتبي فتصوروني كيف شئتم . أما كون الناثر لا ينظم إلا إذا كان حاصلاً على هذه الملكة الموهوبة فحقيقة لا مشاحة فيها وان لم يكن بذلك عار على الكاتب بل الغبن الفاحش والخسران المبين أن تضيع حياة الكثيرين من الكتاب والعلماء وليست بقليلة الثمن في محاولة المحال والتمادي في مثل هذا الضلال . على أن الشعر ليس من حاجيات العمران المادي الذي تتوقف عليه سعادة الانسان في هذه الحياة الدنيا ولكنه من كماليات العمران الأدبي الذي تسأم النفس عنده الحقيقة المجسدة . والمادة المجردة . وتميل في بعض أوقاتها إلى التنقل بشعورها من عالم إلى آخر ، ومن فضاء إلى سواه ولعل هذه هي الحكمة في كون الشعراء قليلا عديدهم في كل زمان ومكان لا تعطى الأمم منهم إلا بقدر حاجتها اليهم ومما يجمل إيراده في هذا المقام أنه بدا لأحد الانكليز أن تكون عنده مجموعة فيها من كل شاعر عصري شيء من نظمه بخطه فجعل يطوف بها على مشاهير الشعراء حتى وفد على جول سيمون فقيد فرنسا وفيلسوفها المشهور فطلب منه أن يكتب شيئاً من نظمه فاعتذر الرجل بكونه ما نظم قط ولا يملك قول الشعر فما زال الانكليزي يلحّ عليه حتى أحرجه وكان جول سيمون يحفظ أبياتاً للشاعر الشهير لمارتين وكانت أحسن ما في منظومته التي سماها " البحيرة " فأخذ المجموعة وكتب الأبيات ثم جعل اسمه تحتها واتفق بعد ذلك أن المجموعة وقعت في يد منتقد أدبي لبعض الصحف السيارة في باريز وكان لا يعرف الشعر ولا يدري لمن هو فلم يكن منه إلا أن ملأ أعمدة الجريدة من انتقادها ورمى جول سيمون بالدخول فيما لا يعنيه والتطفل على موائد الشعراء ثم نصح له أن يبقى فيلسوفاً كما كان ومن الفلسفة ألا يحاول الانسان ما ليس في الإمكان .

نصائح أمير الشعراء للمشتغلين بالشعر

يعلم مما تقدم جميعه أنني أرى للمشتغلين بالشعر من أبناء الوطن العربي أن يجمعوا في مسيرهم على الدرب بين أزواد ثلاثة لا وصول بدونها مجتمعة.
(( الأول )) : ثقة الإنسان في كون الشعر في طباعه وهذا هو الشرط الأوجب وأنه لأمر يعني الآباء والأساتذة أكثر من سواه ولا ينبغي لهم أن يتصرفوا في مستقبل الأطفال الذين هم أمانة الله في أيديهم بمقتضى أميالهم الشخصية وأفكارهم الخصوصية بل عليهم إذا آنسوا هذه الهبة عند الطفل أن يأخذوا بيده ويعينوه عليها ولو كانوا ممن ينظرون إلى الشعر بعين السخط لأن الله سبحانه وتعالى وهو الواهب قد رأى له ذلك وما يرى الله أفضل وإذا وجدوه دعياً في الشعر دخيلاً منذ الطفولة وجب عليهم تبغيضه اليه وممانعته عن نظمه ولو كانوا من محبي الشعر ونصرائه .
(( والثاني )) : أخذ العلوم وتناول التجارب لأن الشعر لا يخرج عن كونه أخباراً وحكمة وهما لا يكونان إلا من عليم مجرب .
((والثالث )) : ألا يتخذ الشعر حلية على عطل من سائر أمور الدنيا وأشغالها فإن كان ولا بد من التفرغ للأدب حباً به أو طلباً للكسب فليكن الشعر هو اليتيمة القعساء في عقد علومه وصاحب العلم في موكب فنونه لا ينافي تعاطيه الكتابة نثراً في جميع المطالب وضروب المواضع فإنك لا تجد الشعر وسلطانه عندئذ إلا مرشدين أمينين و ذخرين ثمينين .
فمن جمع بين هذه الأمور الثلاثة وكان عاملاً متقناً لعمله حريصاً عليه مترقباً فيه ، يخاف الله في الغرور ، ويخشاه في إيذاء خلقه ، فقد انكشف له سر النجاح ، وأحرز قصب السبق في حلبة الكتاب والشعراء .

تواضع أمير الشعراء أحمد شوقي

الآن أدخل في الحديث مع فريق طلبوا مني أن أجعل صورتي في هذه المجموعة وآخرين إلي في كلمة تقال عنها وعن صاحبها وألا يقولها سواي
معذرتي إلى الفريق الأول أن من يعرض صورته على الناس كمن يعرض وجهه عليهم وأعوذ بالله وبالحبين أن أكون ذلك الرجل ، على أن صورتي ما عشت بينهم ينظرون اليها فإذا مت فليأخذونها من أهلي إذا جد بهم الحرص عليها .
وللآخرين أقول أني لا أزال في أول النشأة وأن حياتي لم تحفل بعد بالعجائب ولم تمتلىء من الفوائد ولا المصائب حتى أحدث الناس بأخبارها لكني لا أثق بيومي الآتي وأخاف بمدى رجوم الظن وضلات الأحاديث فلي العذر أن أجيب طلبهم على أن يكون الحديث بيني وبينهم كما يكون بين الأحباب .

مراحل حياة أمير الشعراء وأصوله

سمعت أبي رحمه الله يرد أصلنا إلى الأكراد فالعرب ويقول أن والده قدم هذه الديار يافعاً يحمل وصاة من أحمد باشا الجزار إلى والي مصر محمد علي باشا وكان جدي وأنا حامل اسمه ولقبه يحسن كتابة العربية و التركية خطاً و إنشاء فأدخله الوالي في معيته ثم تداولت الأيام . وتعاقب الولاة الفخام . وهو يتقلد المراتب العالية . ويتقلب في المناصب السامية. إلى أن أقامه سعيد باشا أميناً للجمارك المصرية فكانت وفاته في هذا العمل عن ثروة راضية بددها أبي في سكرة الشباب ثم عاش بعمله غير نادم ولا محروم وعشت في ظله وأنا واحده أسمع بما كان من سعة رزقه ولا أراني في ضيق حتى أندب تلك السعة فكأنه رأى لي كما رأى لنفسه من قبل أقتات من فضلات الموتى أما جدي لوالدتي فاسمه أحمد بك حليم ويعرف بالنجدة لي نسبة إلى نجدة إحدى قرى الأناضول وفد على هذه البلاد فتياً كذلك فاستخدمه والي مصر ابراهيم باشا من أول يوم ثم زوجه من معتوقته جدتي التي أرثيها في هذه المجموعة وأصلها من مورة جلبت منها أسيرة حرب لا شراء وكانت رفيعة المنزلة عند مولاها وكان زوجها محبوباً عنده كذلك فما زالا كلاهما مغمورين بنعمة هذا البيت الكريم حتى توفي جدي وهو وكيل لخاصة الخديوي اسماعيل باشا فأمر بنقل مرتبه برمته إلى أرملته وأن يحسب ذلك معاشاً لا إحساناً وكان الخديوي المشار اليه يقول عنها " لم أر أعف منه ولا أقنع من زوجته ولو لم يسمه أبي حليماً لحلمه لسميته عفيفاً لعفته " .
أنا إذاً عربي . تركي . يوناني . جركسي بجدتي لأبي . أصول أربعة في فرع مجتمعة . تكفله لها مصر كما كفلت أبويه من قبل . وما وزال لمصر الكنف المأمول والنائل الجزل . على أنها بلادي . وهي منشأي ومهادي . ومقبرة أجدادي . ولد لي بها أبوان ولي في ثراها أب وجدان . وببعض هذا تحبب إلى الرجال الأوطان .
أما ولادتي فكانت بمصر القاهرة وأنا اليوم أحبو إلى الثلاثين ، حدثني سيد ندماء هذا العصر المرحوم ( الشيخ علي الليثي ) قال : لقيت أباك وأنت حمل لم يوضع بعد فقص عليّ حلماً رآه في نومه فقلت له وأنا أمازحه : ليولدن لك ولد يخرق كما تقول العامة خرقاً في الإسلام .
ثم اتفق أني عدت الشيخ في مرض الموت وكانت في يده نسخة من جريدة الأهرام فابتدر خطابي يقول هذا تأويل رؤيا أبيك يا شوقي فوالله ما قالها قبل في الإسلام أحد . قلت : وما تلك يا مولاي ؟ قال : قصيدتك في وصف ( البال) التي تقول في مطلعها :
حفَّ كأسها الحببُ فهي فضةٌ ذهبُ
وهاهي في يدي أقرأها . فاستعذت بالله وقلت له : الحمد لله الذي جعل هذه هي " الخرق " ولم يضر بي الإسلام فتيلا .
أخذتني جدتي لأمي من المهد وهي التي أرثيها في هذه المجموعة و كانت منعمة موسرة فكفلتني لوالدي و كانت تحنو علي فوق حنوهما وترى لي مخايل في البر مرجوة .
حدثتني أنها دخلت بي على الخديوي اسماعيل وأنا في الثالثة من عمري وكان بصري لا ينزل عن السماء من اختلال أعصابه فطلب الخديوي بدرة من الذهب ثم نثرها على البساط عند قدميه فوقعت على الذهب أشتغل بجمعه وألعب به فقال لجدتي اصنعي معه مثل هذا فإنه لا يلبث أن يعتاد النظر إلى الأرض قالت : هذا دواء لا يخرج إلا من صيدليتك يا مولاي . قال : جيئي به إليّ متى شئت إني آخر من ينثر الذهب في مصر .
ولايزال هذا الارتجاج العصبي في الأبصار يعاودني وكان المرحوم الشيخ علي الليثي كلما التقت عينه بعيني ينشد هذا المصراع للمتنبي :
" محاجر مسك ركبت فوق زئبق " .

المرحلة الدراسية الأولى لأمير الشعراء أحمد شوقي

دخلت في مكتب الشيخ صالح وأنا في الرابعة وهي من أهلي جناية على وجداني أغفرها لهم ثم انتقلت منها إلى المبتديان فالتجهيزية فكنت التلميذ الثاني لهذه المدرسة وأنا في الخامسة عشرة وكان ناظرها المرحوم صادق باشا شنن قد حصل لي من النظارة على " المجانية " بوجه الاستثناء لا عن حاجة اليها ولكن على سبيل المكافأة ثم رأى لي أبي أن أدرس القوانين والشرائع فدخلت مدرسة الحقوق وكان ناظرها المأسوف عليه " فيدال باشا " لا يراني أهلاً لذلك بالسن فما زال أستاذي وصديقي المهذب يحيى بك ابراهيم وكيل المدرسة يومئذ يؤيدني عند رئيسه إلى أن قبلت ثم لم يكفه ذلك حتى حصل لي من النظارة على مائتي قرش في الشهر فدرست الحقوق سنتين ثم ارتأت الحكومة أن ينشأ بمدرسة الحقوق قسم للترجمة يتخرج فيه المترجمون الأكفاء فنصح لي الوكيل أن أدخل هذا القسم ففعلت ..

المرحلة الدراسية الثانية لأمير الشعراء وقصة توظيفه عند الخديوي توفيق باشا

وأقمت به سنتين فمنحتني نظارة المعارف الشهادة النهائية في فن الترجمة وبينما أنا أتردد على المغفور له على باشا مبارك في شأن ورد عليه مرسوم من المعية السنية بطلبي اليها فكان سروره بذلك أضعاف فرحتي بالنعمة المفاجئة فذهبت إلى السراي وهنالك استؤذن لي على المرحوم الخديوي توفيق باشا فلما مثلت بين يديه ولم أكن رأيته من قبل ولكني مدحته مراراً وأنا في المدرسة خاطبني بهذا اللفظ الشريف " قرأت يا شوقي في الجريدة الرسمية أنك أعطيت الشهادة النهائية وكنت أنتظر ذلك لألحقك بمعيتي لكن ليس بها الآن محل خال فهل لك في الانتظار ريثما يهيء الله لك الخير " فاستلمت أذيال العزيز وقبلتها ثم قلت : حسبي يا مولاي أنك قد ذكرتني من تلقاء نفسك الشريفة وأي خير يهيء الله لعبدك أفضل من هذا . فأطرق هنيهة ثم قال : قد سمعت أن أباك قد عطل من الخدمة فبلغه أني ربما أدخلته في عنل قبلك ثم تهلل وأذن لي بالانصراف .

انتظار الوظيفة

فلبثت في المعية بضعة شهور أنتظر فرجاً يأتي به الله وكان المرحوم علي باشا مبارك لم يقطع عني الراتب . إلى أن كان يوم كثر غيمه وتثاقل مطره فخرجت قبيل الأصيل في حاجة لي على حمار أبيض كان لوالدي وبينما أنا عائد إلى منزلي أجتاز ميدان عابدين بصرت بالعزيز في بهو السراي يشرف منه فنزلت عن الدابة أمشي كرامة للمليك المطل وأمرت الخادم أن يبتعد عنها وأن يلاقيني خلف القصر ثم مشيت على الأقدام حتى إذا انتهيت من الميدان اعترضني رسول من الأمير يدعوني اليه فوافيت حضرته وأنا لا أعرف السبب وكان معه ساعتئذ المرحوم الأمير عبد الرحمن باشا رشدي فتحلى الحليم بصورة الغضب ثم قال أليس لي أن أطل من بيتي حتى نزلت عن حمارك وألجأتني إلى انثناء ؟ قلت : عفواً يا مولاي هكذا أدبنا الأوائل حيث يقول شاعرهم :
وإذا المطيُّ بنا بلغن محمداً فظهورُهُن على الرجال حرامُ
فتبسم ضاحكاً . ثم قال : إنكم معشر الشعراء تتفاءلون بالغيوم فهذا اليوم من أيامكم فاسمع للباشا فإن عنده لك فألاً . فالتفت الباشا عندئذ إلي وقال : الآن أمرني أفندينا أن أبلغك تعيين أبيك مفتشاً في الخاصة الخديوية وأما أنت فتعين بعد شهر ثم مد العزيز إلي يده فقبلتها واجماً قد غلب علي السرور حتى أنساني الشعر وكان ذلك وقته ثم لم يحل علي حول في الخدمة الشريفة .

رغبة الخديوي في سفر أمير الشعراء إلى أوربا لتعلم الحقوق والآداب الفرنساوية

حتى رأى لي الخديوي أن أبلغ التأديب في أوربا فخيرني في ذلك وفيما أريده من العلوم فاخترت الحقوق لعلمي أنها تكاد تكون من الأدب وإن لاقدم فيها لمن لا لسان له فأشار الأمير عندئذ أن أجمع في الدراسة بينها وبين الآداب الفرنساوية بقدر الإمكان ثم سافرت على نفقته فكنت أنقد ستة عشر جنيها في الشهر نصفها من المعية ونصفها من الخاصة وأعطاني يوم سفري مائة جنيه أرسل نصفها إلى مدير الإرسالية ليهيء لي جميع ما أحتاج اليه حال وصولي ودفع إليّ النصف الآخر بيده الشريفة وما انس من مكارمه رحمة الله عليه لا أنس قوله لي في ساعة الوداع (( لا حاجة بك منذ اليوم إلى أهلك فلا تعنتهم بطلب النقود واعنت أباك هذا الغني )) .

مراحل سفر أمير الشعراء و حياته في فرنسا ( مونبيلييه وباريز ) ودراسته هناك

فركبت البحر لأول مرة أؤم مرسيليا ، فلما قدمتها وجدت مدير الإرسالية في انتظاري فأخبرني بأن الأمير يأمر بأن أقضي عامين في مدينة مونبيلييه وآخرين في باريز وكان المدير قادماً من مونبيلييه للقائي فعاد بي اليها على الفور وهنالك قدم الي جميع ما أحتاج اليه وأدخلني مدرسة الحقوق الجامعية ثم رجع إلى العاصمة . فلما انقضت السنة الأولى التمست من ولي النعم أن يأذن لي في الأوبة إلى مصر لقضاء زمن العطل بين أهلي فأوقع إلى أمره أن هذا من نزق الشباب وأنه يرى لي أن أقيم أربع سنوات كاملة في أوربا وألا أضيع منها دقيقة واحدة ثم أرسل إلي خمسين جنيهاً لأنفقها في رحلة أزمعها إلى أي بلد أشاء إلا مصر وكانت الدعوات قد توالت علي من الفرنساويين ، رفقائي في المدرسة بالذهاب إلى مدنهم المتفرقة في الجنوب وقضاء بعض الأيام في ضيافتهم هنالك فقضيت نحو شهرين كنت فيهما قرير العين طيب النفس ناعم البال حيث التفت رأيت حولي مناظر رائعة ، ومجالي شائقة ، ومعالم للحضارة في أقاصي القرى شاهقة وآثاراً لدولة الرومان ، تزداد حسناً على تقادم الزمان و عرفت الفلاح الفرنساوي في داره وكنت ألقاه في مزرعته وأماشيه في الأسواق فيخيل إلي أنه قد خلف العرب على قرى الضيف وإكرام الجار وكان أعجب ما رأيت مدينة (( كركسون )) وجدتها قسمين وألفيت القوم عليها صنفين فمنهم الباقون إلى اليوم كما كان عليه آباؤهم في القرون الوسطى بناؤهم ذلك البناء ولباسهم ذلك اللباس وعاداتهم وأخلاقهم تلك العادات والأخلاق والآخرون خلق جديد وشعبة كسائر شعب الأمة في أخذهم بأشياء التمدن العصري وبالجملة كانت نتيجة هذا النقل من أجل نعم الله على و أسنى أيادي الخديوي السابق عندي .

مرض أمير الشعراء وذهابه إلى انكلترا والجزائر ومن ثم عودته إلى الوطن

ثم ما كدت أنتهي من السنة الثانية حتى كتب إلي مدير الرسالة المصرية يستقدمني لباريز ويخبرني أنه ذاهب بتلامذته إلى انكلترا لقضاء أكثر أيام العطلة فيها وأن الأمير رحمه الله أدى نفقة هذه السياحة عني إذا رغبت فيها فبرحت مونبيلييه على عجل أيمم باريز للمرة الأولى فأقمت بها يومين ريثما أهبت للرحلة ثم سافرنا إلى عاصمة انكلترا فلبثنا فيها نحو شهر نغشى من معالمها في الحضارة ونشاهد من دوران دولاب التجارة والصناعة فيها ما ينتهي اليه العظم والجلال في هذا العصر لكنا لم نلبث أن سئمناها وهذا أكبر عيوبها فخرجنا إلى بعض المدائن على بحر الشمال وهناك وجدنا رائحة الخاطر وقرة الناظر وإن يكون الجو كثير التقلب غداراً في غالب الأحيان فلما كانت السنة الثالثة وهي الأولى لي في باريز أصبت بمرض شديد كنت فيه بين الحياة والموت فاستخدمت ممرضة تسهر علي وتعمل بإشارتي في الحركة والسكنة فكنت أسمعها وأنا في سكرات الحمى تقول : (( أفي مثل هذا الشباب تذهبون )) ثم تكفف الدمع لكن الله خيب ظنونها ومن على بالشفاء وعندئذ أشار علي الأطباء أن أقضي أياماً تحت سماء افريقيا على زعم أن الذي بي من الضجر والسآمة ليس إلا حنيناً إلى الوطن فوقع اختياري على الجزائر فرحلت اليها مع أحد قضاتها الفرنساويين فنفعتني مرافقته وظل دليلي على الهدى عاصمة المستعمرة نحو عشرين يوماً ثم برحها إلى أوران .
أما جو الجزائر فلا يعدله بين الجواء في صحوه وطيب نسمته مع توقد شمسه إلا جنوب فرنسا . ولم أتأثر فيها كتأثري من رؤية المصريين في القهاوي البلدية إذ أكثر أصحابها وغلمانها منهم وكان قد بلغهم جلوس مولانا الخديوي القائم عباس باشا على الأريكة المصرية فكنت أراهم فرحين بالنبأ وأسمعهم يدعون لسموه . ولا عيب في الجزائر سوى أنها قد مسخت مسخاً فقد عهدت مساح الأحذية يستنكف من النطق بالعربية وإذا خاطبته بها لم يجبك إلا بالفرنساوية على أن حركة العمران في المدينة عجيبة وآثار التمدن الفرنساوي بادية عليها ولكن المسلمين من أهلها لا يشاركون القوم في شيء من ذلك ولا يتهافت مترفوهم إلا على مضار التمدن وأسوائه فكأن حظنا واحد في كل مكان .
أقمت بالجزائر أربعين يوماً أو تزيد ثم حثثت الرحال عنها قافلاً إلى باريز وهناك تمت لي السنة الثالثة في الحقوق وحصلت على الشهادة النهائية فيها فرأى لي الجناب العالي أيده الله أن أقضي في العاصمة ستة شهور أتمكن فيها من معرفة أشياء باريز وأهلها وقد كان في الدراسة ما يشغل عن ذلك ويحول دونه ثم انقضت تلك المدة على ما رسم لي الرأي العالي أيده الله فعدت إلى الوطن وأنا نضو فراق ، تهزني اليه الأشواق .

سفر أمير الشعراء إلى جنيف (سويسرا ) كمندوب عن الحكومة في مؤتمر المستشرقين ثم سفره إلى بلجيكا

وفي سنة 1896 للميلاد ندبني جنابه الفخيم لأنوب عن حكومته السنة في مؤتمر المستشرقين الذي كان انعقاده في مدينة جنيف عاصمة سويسرا .
فكانت خير فرصة تغتنم لمشاهدة هذه البلاد التي هي المجلى البديع لعروس الطبيعة فرحلت اليها وأقمت بها شهراً ثم انفض المؤتمر فبرحتها إلى بلجيكا لمشاهدة عاصمتها وزيارة المعرض الذي أقيم بمدينة انغرس في ذاك العام .
ولما كانت السنة الماضية وكنت قد سئمت الحضر على أثر رمد طال أمده خرجت إلى الآستانة طلباً للعافية على ضفاف البسفور فأذن الله وكان ما رجوت . وعدت من عاصمة الاسلام وأنا أعتقد أن خطرات النسيم فيها تفعل في أربعين يوماً مالا يفعله طب الأطباء في أربعين شهراً .
هذه هي أيام صباي وخطوات شبابي وأوائل نشأتي أجبت عنها السائل يعلم كيف تقضت وفيما انفقت وأين ذهبت وأنا أستغفر الله لي ولأهلي ولمن ينظر هذا الكتاب بعين الكريم المتجاوز أو المنتقد العدل .

صحبة أمير الشعراء أحمد شوقي مع الأمير شكيب أرسلان

جمعتني باريز في أيام الصبا بالأمير شكيب أرسلان وأنا يومئذ في طلب العلم والأمير حفظه الله في التماس الشفاء فانعقدت بيننا الإلفة ، بلا كلفة وكنت في أول عهدي بنظم القصائد الكبرى وكان الأمير يقرأ ما يرد عليه منها منشوراً في صحف مصر فتمنى أن تكون لي يوماً ما مجموعة ثم تمنى علي إذا هي ظهرت أن أسميها
الشوقيات ..
ثم انقضت تلك المدة فكأنها حلم في الكرى أو خلسة المختلس أو هي كما قلت :
صحبتُ شكيباً برهةً لم يغزُ بها سواي ، على أن الصحاب كثيرُ
حرصت عليها آنة ثم آنة ، كما ضنّ بالماس الكريم خبيرُ
فلما تساقينا الوفاء وتمّ لي ودادٌ على كل الوداد أميرُ
تغرّق جسمي في البلاد وجسمه ولم يتغرّق خاطرٌ وضميرُ
هذا أصل التسمية سبقت به إشارة لا تخالف ودفعت اليه طاعة واجبة وأنا بين هاتين هدف للقال والقيل . يظن بي نسبة الأثر الضئيل . إلى الاسم القليل .

وفاة والد أمير الشعراء وأثرها عليه

كانت وفاة والدي من نحو ثلاث سنوات فكان لي عجباً أن وجدت بين أوراقه شيئاً كثيراً من مشتت منظومي ومنثوري ما نشر منها وما لم ينشر قد كتب بعضه بالحبر والبعض الآخر بالرصاص والكل خط يد المرحوم وقد لفه في ورقة كتب عليها هذه العبارة (( هذا ما تيسر لي جمعه من أقوال ولدي أحمد وهو يطلب العلم في أوربا فكنت كأني أراه. وأني آمره أن يجمعه ثم ينشره للناس لأنه لايجد بعدي من يعتني بشؤونه وربما لم يجد بعد ، من بعده ، من يعني بالشعر والآداب )) فبينما أنا ذات يوم تعب بهذه الأوراق حيران لوصية الوالد كيف أجريها زارني صديقي مصطفى بك رفعت فحدثته حديثي فسألني أن أعيره الأوراق أياماً ثم يعيدها إلي ففعلت ثم لم يمض شهر حتى بعثت بها إلي وإذا هي قد نسخت بقلم مليح يؤيده ذوق صحيح . بحيث لم يبقى إلا أن تدفع إلى المطابع فأخذتها وبودي لو وفيت صديقي المشار اليه حقه من شكر الصنع وأنا أقول في نفسي : لئن صدق أبي في الأولى لقد ظلم في الثانية فإن الخير لا يزال في الناس .

اعتراف من أمير الشعراء أحمد شوقي

على أن ما جمع في " الشوقيات " ثم طبع ليس وكل ما قيل فقد أسقطت منه الكثير وعثرت على غيره ولكن في الزمن الأخير فأما ما أسقط عمداً فأكثره من قولي في زمن الصبا الذي لا يؤمن فيه على المرء الغرور . ولا يسلك الفتى فيه سبيلاً إلا وهو مضلل عثور . وقد خشيت أن يقع مثل ذلك في أيدي الناشئة فأسأل عن سوء وقعه ويكون اثمه أكبر من نفعه لكني حرصت على إثبات بعض الشيء منه كما يحرص الإنسان على ذكر ما طاب من أيام الشباب وأما ما عثرت عليه والمجموعة في أيدي الطباع فلم يكن في الوسع أخذه لئلا يختلط الكتاب ويختل ترتيب الأبواب على أنه محفوظ لينشر في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى مع سائر القصائد التي قيلت بعد الإعلان عن الشوقيات ولم يتيسر إدخالها في أبواب هذا الجزء . وقد عزمت بحول الله ومشيئته على أن أنشر في آخر كل عام هجري ما يحصل عندي من منظوم ومنثور ولو قل عدده وصغر حجمه وأن أجعل ذلك بمثابة أجزاء متتالية " للشوقيات " تسمى باسمها وتكون لها متممة .



إدارة موقع الشاعر السوري نزار قباني تشكر جميع الشعراء والادباء والمثقفين على دعمهم المعنوي الكبير لها

الاتصال بنا  |  أضفنا للمفضلة  |  اجعلنا الصفحة الرئيسية للمتصفح  |  طباعة الصفحة  |  أعلى الصفحة
Copyright © 2006 NIZARQ.COM . All rights reserved